ابن الجوزي
306
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ثبات القلنسوة مصدوق بفتح هذه الدواة ، ومتى أطبقت هذه زالت تلك فحكى ذلك للسلطان ، فما زال يدبر عليه فيقال انه ألف عليه بمواطأة تاج الملك أبي الغنائم من قتله ، فلم تطل مدة السلطان بعده ، وإنما كان بينهما خمسة وثلاثون يوما ، فكان في ذلك عبرة ، فكان الناس يتحدثون أن السلطان إنما رضي بقتله لأن السلطان كان قد عزم على تشعيث أمر المقتدي ، ودبر ذلك تاج الملك وخاتون زوجة السلطان لأنها أرادت من السلطان أن ينص على ولدها محمود فثناه عن رأيه النظام ، فخشوا من النظام تثبيطا عن مرادهم . ووصل نعي نظام الملك إلى بغداد يوم الأحد ثامن عشر رمضان ، فجلس عميد الدولة للعزاء به في الديوان ثلاثة أيام ، وحضر الناس على طبقاتهم ، وخرج التوقيع يوم الثالث . وفي آخره ، وفي بقاء معز الدولة [ 1 ] مما يجبر المسلمين ، ويعضد أمير المؤمنين . قال المصنف : ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال : رأينا في أوائل أعمارنا [ ناسا ] [ 2 ] طاب العيش معهم ، من العلماء والزهاد وأعيان الناس ، وأما النظام فإن سيرته بهرت العقول جودا وكرما وحشمة وإحياء لمعالم الدين ، فبنى المدارس ، ووقف عليها 148 / أالوقوف / ونعش العلم وأهله ، وعمّر الحرمين ، وعمّر دور الكتب ، وابتاع الكتب فكانت سوق العلم في أيامه قائمة ، والعلماء مستطيلين على الصدور من أبناء الدنيا ، وما ظنك برجل كان الدهر في خفارته ، لأنه كان قد أفاض من الإنعام ما أرضى الناس ، وإنما كانوا يذمون الدهر لضيق أرزاق واختلال أحوال ، فلما عمهم إحسانه أمسكوا عن ذم زمانهم . قال ابن عقيل : بلغت كلمتي هذه وهي قوله كان الدهر في خفارته جماعة من الوزراء والعمداء فسطروها [ 3 ] واستحسنها العقلاء الذين سمعوها . قال ابن عقيل : وقلت مرة في وصفه ترك الناس بعده موتى أما أهل العلم والفقراء
--> [ 1 ] في الأصل : « معز الدولة » . [ 2 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 3 ] في ص : « فشطروها » .